الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
317
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 89 ، 90 ] [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 89 إلى 90 ] وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ( 89 ) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ( 90 ) تقدم الكلام على النكتة في إعادة النداء في الكلام الواحد لمخاطب متّحد قريبا . وتقدم الكلام على لا يَجْرِمَنَّكُمْ عند قوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا في أول العقود [ 2 ] ، أي لا يكسبنكم . والشقاق : مصدر شاقّه إذا عاداه . وقد مضت عند قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في أول الأنفال [ 13 ] . والمعنى : لا تجر إليكم عداوتكم إياي إصابتكم بمثل ما أصاب قوم نوح إلى آخره ، فالكلام في ظاهره أنه ينهى الشقاق أن يجر إليهم ذلك . والمقصود نهيهم عن أن يجعلوا الشّقاق سببا للإعراض عن النظر في دعوته ، فيوقعوا أنفسهم في أن يصيبهم عذاب مثل ما أصاب الأمم قبلهم فيحسبوا أنهم يمكرون به بإعراضهم وما يمكرون إلّا بأنفسهم . ولقد كان فضح سوء نواياهم الدّاعية لهم إلى الإعراض عن دعوته عقب إظهار حسن نيّته ممّا دعاهم إليه بقوله : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [ هود : 88 ] مصادفا محزّ جودة الخطابة إذ رماهم بأنّهم يعملون بضدّ ما يعاملهم به . وجملة وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ في موضع الحال من ضمير النّصب في قوله : أَنْ يُصِيبَكُمْ والواو رابطة الجملة . ولمعنى الحال هنا مزيد مناسبة لمضمون جملتها إذ اعتبر قرب زمانهم بالمخاطبين كأنّه حالة من أحوال المخاطبين . والمراد بالبعد بعد الزمن والمكان والنسب ، فزمن لوط - عليه السّلام - غير بعيد في زمن شعيب - عليه السّلام - ، والدّيار قريبة من ديارهم ، إذ منازل مدين عند عقبة أيلة مجاورة معان ممّا يلي الحجاز ، وديار قوم لوط بناحية الأردن إلى البحر الميت وكان مدين بن إبراهيم - عليهما السّلام - وهو جد القبيلة المسماة باسمه ، متزوجا بابنة لوط . وجملة وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ عطف على جملة لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي . وجملة إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ تعليل الأمر باستغفاره والتوبة إليه ، وهو تعليل لما